بقلم ا.د/ خالد مصيلحي
يوم ليس كأي يوم...إنه اليوم الذي انتظرت فيه البشرية لحظة افتتاح المتحف المصري الكبير، الحدث الثقافي الأعظم في القرن الحادي والعشرين لم يكن حفل افتتاح عادي العالم كله يقف مبهورًا أمام أبواب المتحف التي تفتح على حضارة عمرها أكثر من سبعة آلاف عام، كأن الزمان انحنى احترامًا لبلدٍ علّمت الدنيا معنى العلم، والخلود، والجمال.من أمام الأهرامات، حيث يقف رمسيس الثاني شامخًا كأنه يحرس ذاكرة الوطن، يبدأ العالم رحلة جديدة نحو الماضي، ولكن بعين المستقبل.فالمتحف الكبير لا يعرض تماثيل ومومياوات فقط، بل يعيد سرد القصة الحقيقية للإنسان المصري القديم الإنسان الذي لم يكن مجرد بانٍ للأهرام، بل كان عالِمًا، طبيبًا، وكيميائيًا ومدونا قبل أن توجد هذه الكلمات في القواميس الحديثة. والسير في المتحف كالسير في سراديب التاريخ تبدأ رحلة التاريخ من البهو الى الدرج ثم 12 قاعة ثم قاعة توت عنخ امون ومركب خوفو كل هذا في تسلسل تاريخي فاذا كنت تعاني من الام القدم لن تشعر بألآمها بالرغم من السير اكثر من 7 ساعات لانك تسير في بحور كل العصور وتمر على كل الحضارات التي تأثرت بحضارتنا وتشاهد أدلة فاقت أي دليل علمي حديث على عظمة أجدادنا بين أروقة المتحف الكبير، تتردد رسالة أبدية: أن الماضي ليس حجرًا ولا مومياءً، بل نبض حضارةٍ علمت العالم كيف يعيش، ويُشفى، ويتجمل.
الانسان المصري القديم الذي خط البرديات الطبية التي سجّل فيها المصري القديم أعظم معارفه عن الجسد والروح والعلاج بالأعشاب. لكن اللافت أن أغلب هذه البرديات الأصلية اليوم محفوظة خارج مصر، في متاحف عالمية مثل برلين ولندن ونيويورك، كـ"بردية إيبرس" و"إدوين سميث" و"هيرست"، وهي وثائق تشهد بأن مصر كانت — بحق — المدرسة الأولى للطب والصيدلة في التاريخ.فيها وصف القدماء أكثر من 700 وصفة طبية طبيعية، استُخدمت فيها النباتات والزيوت والعسل والمعادن بدقة مذهلة.
تحدثوا عن أمراض القلب والكلى والعيون والجلد، وشرحوا كيفية خياطة الجروح وعلاج الالتهابات، وأسسوا لفكرة أن العلاج لا يقتصر على الجسد، بل يشمل توازن النفس والطبيعة — وهي نفس الفلسفة التي تعود إليها اليوم علوم الطب التكاملي Integrative Health.والطب الشمولي الحديث (Holistic Medicine).والمتحف جاهز لوضع بردياته بجوار كاتبيها
افتتاح المتحف الكبير ليس حدثًا أثريًا فحسب، بل رسالة من مصر إلى العالم بأن الحضارة لا تموت، وأن التاريخ العلم والفن والطب يمكن أن يجتمعوا تحت سقف واحد. إنه تذكير بأن الإنسان المصري كان – ولا يزال – قادرًا على أن يجعل من المعرفة تراثًا خالدًا، ومن الحجر مدرسة، ومن المومياء درسًا في الخلود. في هذا اليوم التاريخي، يقف العالم احترامًا أمام مصر، ليس فقط لأنها تحفظ آثارها، بل لأنها أرسلت رسالة سلام تحيي روح التاريخ والعلم التي بدأها أجدادها. فمن قلب المتحف الكبير، تخرج رسالة أمل جديدة: أن الماضي ليس عبئًا نحمله، بل جذورًا نغرس بها مستقبلًا أكثر وعيًا، علمًا، وجمالًا. مصر... كانت وستظل “مختبر الحضارة الإنسانية” الذي بدأ منه التاريخ، والطب والفكر والحياة.









