الطريق نحو السيادة الصحية المصرية

بقلم دكتور سامر الرفاعى
رئيس الجمعية العربية لتطوير الصيادلة
سكرتير عام الجمعية الأفريقية للرعاية الصحية والدواء
مؤسس منصة فانتازى الرقمية

على مدار السنوات الخمس الماضية، شهد القطاع الصحي والدوائي في مصر تحولات استراتيجية غير مسبوقة، جعلت من الصحة ركيزة حقيقية للأمن القومي والتنمية الاقتصادية. هذه التحولات لم تقتصر على توسيع الخدمات أو تحسين البنية التحتية، بل امتدت لتشمل بناء إطار مؤسسي متكامل يجمع بين التأمين الصحي الشامل، الحوكمة الدوائية، التحول الرقمي، الصناعة الوطنية، التحالفات الإقليمية، والاستثمار البشري والمادي.
بدأت الرحلة بإطلاق منظومة التأمين الصحي الشامل منذ عام 2018، والتي أسست لنظام حديث يربط بين التمويل والخدمة والرقابة، ويضمن العدالة في التغطية الصحية وتحسين جودة الخدمات. تم تطبيق المنظومة بشكل تدريجي في المحافظات، مثل بورسعيد، الأقصر، الإسماعيلية، جنوب سيناء، السويس، وأسوان، وبلغ عدد المستفيدين حتى نهاية 2024 نحو 5 ملايين مواطن. ومن خلال هذه المنظومة، أصبح بالإمكان ربط التمويل بمؤشرات الأداء والجودة، وقياس رضا المواطنين بدقة، حيث تجاوزت نسبة رضا المنتفعين 90%.
في الوقت نفسه، شهدت الصناعة الدوائية نقلة نوعية، بدءًا من تأسيس هيئة الدواء المصرية عام 2019 ككيان سيادي مسؤول عن التنظيم والرقابة، وصولاً إلى حصولها على مستوى النضج الثالث (ML3) من منظمة الصحة العالمية عام 2022، وهو مؤشر دولي على جودة وشفافية الرقابة الدوائية. كما بدأت الدولة تنفيذ مشروع التتبع الدوائي لمراقبة الدواء من المصنع إلى المريض، ومشروع الروشتة الرقمية لتحسين دقة الوصفات الطبية والحد من الهدر، وكلا المشروعين قيد التنفيذ.
التحول الرقمي شكل جزءًا رئيسيًا من التطوير، حيث تم ميكنة 100% من وحدات طب الأسرة و90% من المستشفيات، مع إطلاق منصات إلكترونية تشمل الغسيل الكلوي، مقدمي الخدمة، المعامل، أرشيف الأشعة، ولوحات مؤشرات الأداء، جميعها مرتبطة بالملف الطبي الإلكتروني الموحد، ما يضمن توحيد قاعدة البيانات الصحية للمواطن، ويعزز اتخاذ القرار المبني على البيانات.
على صعيد المبادرات الصحية، أطلقت الدولة برامج واسعة التأثير، منها مبادرة “100 مليون صحة” للقضاء على فيروس سي والكشف المبكر عن الأمراض غير السارية مثل السكري والضغط والسمنة. كما حققت مبادرة القضاء على قوائم الانتظار إنجازات كبيرة بإجراء مئات الآلاف من الجراحات الحرجة والعاجلة. إضافة لذلك، أطلق مشروع “نرعاك في مصر” لتقديم الخدمات الصحية للوافدين، حيث استفاد أكثر من 25 ألف شخص من دول مختلفة، مما يعكس نجاح مصر في مجال السياحة العلاجية.
قطاع التدريب الطبي شهد أيضًا تحديثًا جذريًا، إذ التزم 100% من الأطباء البشريين بالزمالة المصرية، وتم تطوير مدارس ومعاهد التمريض بما يتواكب مع أحدث المعايير العالمية، وتم ربط برامج التدريب بالتحول الرقمي لتحسين مهارات الكوادر الصحية.
الجانب الصناعي والدوائي شهد خطوات استراتيجية كبيرة نحو الاكتفاء الذاتي والتصدير. تم توطين إنتاج الأنسولين والأدوية الحيوية وأدوية الأورام واللقاحات، وتوجيه أكثر من 120 مليار جنيه منذ عام 2014 لدعم المصانع، إنشاء مدن دوائية كبرى مثل جيبتو فارم، وتحديث خطوط الإنتاج لتلبية احتياجات السوق المحلي والإقليمي. كما تم تأسيس التحالف المصري لصناعة اللقاحات والأمصال (EVMA) في نوفمبر 2024، ويضم شركات بارزة مثل فاكسيرا، جيبتو فارم، إيفا فارما، وإيبيكو، لتوطين تصنيع اللقاحات الحيوية وتقليل الاعتماد على الخارج، وتوسيع القدرة التصديرية إلى أفريقيا والشرق الأوسط.
الشركات الوطنية الكبرى لعبت دورًا محوريًا في دفع القطاع، إذ أصبحت إيبيكو علامة تجارية إقليمية، تنتج نحو 400 مستحضر و330 مليون عبوة سنويًا، وتساهم بحوالي 25% من صادرات الدواء المصري. بينما تمثل فاركو وإيفا فارما وجيبتو فارم قوة صناعية وتجارية، توفر منتجات مبتكرة ومتنوعة للأسواق المحلية والإقليمية، وتدعم الأمن الدوائي الوطني.
نتائج كل هذه الجهود تتضح في حجم السوق المصري للدواء والمستلزمات الطبية الذي يتجاوز 56 مليار دولار (2023)، مع تغطية الصناعة المحلية 90% من الوحدات و75% من القيمة السوقية، وإسهام مباشر في الناتج المحلي الإجمالي وخلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة. كما انعكست هذه الإنجازات على جودة الخدمات ورضا المواطنين، مع زيادة شفافية المنظومة الصحية وربطها بالبيانات الرقمية الحديثة.
تجميع كل هذه الإنجازات يظهر إطارًا متكاملًا للرعاية الصحية والدوائية في مصر، حيث يجتمع التأمين الصحي الشامل، الحوكمة الدوائية، التحول الرقمي، الصناعة الوطنية، التحالفات الإقليمية، التدريب البشري، والمبادرات الرئاسية في صورة واحدة مترابطة. هذه المنظومة لا تخدم الحاضر فقط، بل تؤسس لمستقبل صحي آمن، حيث تصبح صحة المواطن أداة للاستقرار الوطني، والدواء أداة للسيادة، والصناعة الصحية محركًا حقيقيًا للتنمية المستدامة.
ما تحقق ليس مجرد إنجازات قطاعية، بل نموذج وطني يحتذى به، ويظهر قدرة الدولة على الاستثمار الذكي في الإنسان وبناء قاعدة صلبة للأمن الصحي القومي. مصر اليوم لا تدير قطاع الصحة فقط، بل تبني مستقبلًا صحيًا مستدامًا ومزدهرًا، يجعل المواطن فخورًا بما حققته الدولة من تقدم ملموس في حياته اليومية.

👁️ 87 views

Leave a reply